محمد بن محمد ابو شهبة
346
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
الأمة ، والوزير الأول لرسول اللّه أبو بكر بن أبي قحافة - رضي اللّه عنه وأرضاه - ومن هؤلاء السادة الذين أعتقهم : بلال بن رباح : وقد قدّمنا طرفا من قصته ، وإذا علمت أن الغلام الذي أعطاه سيدنا أبو بكر كان يسمى : ( نسطاس ) ويقال : كان صاحب عشرة آلاف دينار ، وغلمان ، وجوار ، ومواش - أدركت عظم الفداء الذي فدى به الصديق أبو بكر بلالا ، ولا تعجب إذا كان الفاروق عمر قال هذه القولة التي تدل على عظم منزلة الفادي والمفدى : « أبو بكر سيدنا ، وأعتق سيدنا » يريد بلالا ، رواه البخاري في صحيحه . ومن موالي الصديق : أبو فكيهة اشتراه وأعتقه ، وعامر بن فهيرة اشتراه وأعتقه لوجه اللّه . ومن الإماء اللاتي اشتراهنّ وأعتقهن للّه : حمامة أم بلال ، وأم عنيس وزنّيرة ، وجارية بني المؤمل ، والنهدية وابنتها ، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار ، فمر بهما ، وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها « 1 » وهي تقول : واللّه لا أعتقكما أبدا ، وتتوعدهما ، فقال الصدّيق : حل « 2 » يا أم فلان ، فقالت حل . أنت أفسدتهما ، فأعتقهما ، قال : فبكم هما ؟ قالت : بكذا وكذا . قال قد أخذتهما وهما حرتان ، أرجعا إليها طحينها ، قالتا : أو نفرغ منه يا أبا بكر ، ثم نرده إليها ؟ قال : وذلك إن شئتما . وإن لنا هنا لوقفة ترينا كيف سوى الإسلام بين الصدّيق والجاريتين حتى خاطبتاه خطاب الند للند ، لا خطاب المسود للسيد ، وتقبّل الصديق - على شرفه وجلالته في الجاهلية والإسلام - منهما ذلك ، مع أن له يدا عليهما بالعتق ، وكيف صقل الإسلام الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم ، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لها طحينها يذهب أدراج الرياح ، أو يأكله
--> ( 1 ) بحب ليطحن . ( 2 ) أي تحللي من يمينك واستثني فيه ، وأكثر ما تقوله العرب بالفتح .